كان بنو إسرائيل عليه السلام من أفضل الناس في بداية ظهورهم، وقد فضّلهم الله على سائر الخلق، غير أنّهم عصوا ربهم، وقتلوا أنبيائهم الذين بعثهم الله فيهم، وأشركوا في عبادة الله وأوغلوا في العصيان حتى بلغ بهم العناد والعلو مبلغه، فلِماذا فضّل الله بني إسرائيل على باقي البشر؟ وهل زال عنهم ذلك التفضيل؟ ولماذا زال عنهم؟[١] المقصود بتفضيل بني إسرائيل قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ )[٢] الآية الكريمة في ظاهرها تُبيّن أنّ اليهود أفضل من أمة نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، بل أفضل من جميع الناس، والمقصود بالتفضيل الوارد في هذه الآية الكريمة ثلاثة وجوه، بيانها كالآتي:[٣] إنّ المقصود بالعالم في الآية الجمع الكثير من الناس، وعلى هذا يكون تفضيل بني إسرائيل على مجموعةٍ من الناس لا على جميع البشر، والدليل على ذلك مأخوذٌ من قولِ الله سُبحانه وتعالى في سورة الأنبياء: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ)؛[٤] فالمُراد بالعَالمين الواردة في الآية لا يشمل جَميع الناس، إنّما هو مَخصوصٌ بفئةٍ مُعيّنة من الخلق، وكذلك الأمر بالنسبة للأرض لا يُراد بها كلّ بقاعها وإنّما إشارة إلى أرض مُعيّنة ومخصوصة. المقصود بالتفضيل هنا أي بما أفاض الله سبحانه وتعالى عليهم من النعم دون غيرهم، والتي خصَّهم بها عن الناس، بالإضافة إلى جعل النبوة والملك في أسلافهم، وذلك باعتبار أنّ الخطاب كان موجهاً لهم وقت نزول القرآن الكريم، ودليل ذلك قول الله سبحانه وتعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ)[٥] المقصود بالتفضيل الوارد في الآية هو فقط في زمانهم، والدليل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ( وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)[٦] بماذا فضّل الله بني إسرائيل فضّل الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل على عالمي زمانهم حسبما فسّر العلماء قول الله سبحانه وتعالى:(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ )[٢] بأن أنعم عليهم نِعماً عظيمة؛ نِعم دنيويّة، وأخرى دينيّة؛ فقد جعل فيهم الأنبياء والرُّسل هذا من الناحية الدينيّة، أمّا من الناحية الدنيوية فقد جَعلهم ملوكاً، وهو كذلك لم يؤتِ أحداً من العالمين مثل النعم التي آتاها لبني إسرائيل في ذلك الوقت.[٧] الحكمة من ذكر تفضيل بني إسرائيل في القرآن الكريم توجد العديد من الحِكم لذكر تفضيل بني إسرائيل على العالمين في القرآن الكريم، وهي كالآتي:[٨] كان تفضيل الله سبحانه وتعالى لبني إسرائيل على العالمين قبل بعثة نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، غير أنَّهم لم يكونوا كما أمَرَهم الله سُبحانه وتعالى. الله سبحانه وتعالى وحده الذي يُفضّل من يشاء من عباده بعضهم على بعض؛ فليس لأحدٍ أن يُجادل في ذلك، لأنّ الأمر كله بيد الله وحده سبحانه. يدخل في تفضيل بني إسرائيل أن جعل فيهم أنبياء، وجعل منهم ملوكاً، وآتاهم ما لم يؤتِ أحداً من العالمين. من النّعم التي أنعم بها الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل تَفضيلهم على العالمين. يتوجّب على من أنعم الله سبحانه وتعالى عليه أن يخرّ ساجداً لله، يُطيعه في كلّ ما أمر، ويَبتعد عن كلّ ما نهى عنه. التّفضيل لا يمنع العقاب إذا اقترف المفَضل جرماً، فيتوجّب عليه العقاب على الجرم الذي اقترفه. التفضيل يَستلزم إقامة حكم الله سبحانه وتعالى في كُتبه وأوامره. من بني إسرائيل أمّة مقتصدةٌ، وكثير منهم ساء ما يعملون، ولكنّ الله سبحانه وتعالى يَنتظر من عباده المؤمنين فعل الخيرات وذلك لخلافته على الأرض وعمارتها، وهذا يحتاج إلى الصّبر والاجتهاد. نِعم الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل ذكر القرآن الكريم عشر نِعم أنعم الله سبحانه وتعالى بها على بني إسرائيل وهي:[٩] نَجاتهم من فرعون؛ فقد كان يُذيقهم العذاب الشديد؛ يُذبّح الذكور مِنهم ويُبقي الإناث أحياء. عبور بَني إسرائيل للبحر الأحمر سالمين بعد تَهيئة الله سبحانه وتعالى للطّريقِ اليابس في البحر ليسلكوه، وغرق فِرعون وجنوده. قبولُ الله سُبحانه وتعالى لتوبة بني إسرائيل وعَفوه عنهم. إنزال التّوراة على نبيّ الله موسى عليه الصلاة والسلام، ليَهتدوا بها، ويتدبّروها، ويسيروا على شرعها. التخلّص بشكلٍ جماعي من المجرمين بعد أن اتّخذ بنو إسرائيل العجل إلها، فعَبدوه من دونِ الله. إحياؤهم بعد موتهم الموت الحقيقي، ليستوفوا آجالهم المقدرة لهم. وِقايتهم من حرّ الشّمس أثناء وجودهم في وادي التيه (الموجود بين الشام ومصر) مدّة أربعين سنة، وذلك من خلال سترهم بالسّحاب الأبيض الرقيق. إنعام الله سُبحانه وتعالى على بني إسرائيل بأنواع كثيرة من الطّعام والشّراب كالمنّ، والسلوى. الإنعام عليهم بعد خروجهم من التّيه بدخول القرية. قال جمهور العلماء بأنها بيت المقدس، وقيل بأنّها أريحا من بيت المقدس. الإنعام عليهم بسقياهم؛ حيث إنّهم طلبوا من نبيّ الله موسى عليه السّلام السقيا، فأمره الله أن يضرب بعَصاه أي حجر فانفجرت منه المياه بقوة، وخرجت منه اثنتا عشرة عيناً، لكلّ جماعةٍ منهم عين يَشربون منها.