النَّحلة حشرة طائرةٌ تعيشُ في جميع أنحاء العالم ما عدا المناطق المُتجمّدة، وتتميّز بتنوُّع كبير، فمجموعة النَّحل تتألَّف من أكثر من عشرين ألف نوعٍ مُختلف تسكنُ مُختلف أصقاع الأرض، إلا أنَّ النّوع المألوف منها للإنسان هو المُسمّى "نحل العسل"، وهو في الحقيقة النّحل الوحيدُ القادر على إنتاج العسل بكميَّات كبيرةٍ صالحة للاستثمار التجاريّ. يصنعُ النَّحل غذائه المشهور، وهو العسل الذي يخدمُ كمخزونٍ غذائي احتياطي للمملكة في فصل الشّتاء، من جمع الرّحيق من الأزهار بصُورة مُستمرَّة وتخزينه في الخليَّة، ومن ثمَّ يُكثّف قوامه ويُعالجه بإنزيماتٍ خاصَّة يُفرزها مع لعابه لإعطائه نكهته المُميَّزة. ويُؤدّي النَّحل دوراً جوهريّاً في الطَّبيعة، فهو يُساعد على نقل حُبوب اللَّقاح بين الأزهار، ممَّا يسمحُ لها بالتّكاثر، وقد يكونُ دور النَّحل جوهريّاً في إكثار بعض المحاصيل النباتيَّة المُهمّة اقتصادياً من الفواكه مثلاً.[١] ما هو غذاء ملكة النّحل؟ غذاء ملكات النّحل هو نوعٌ خاصٌّ من العسل يُصنَع للملكة فقط، فلا يُسمَح لأحدٍ غيرها بالأكل منه، وهو يُسمّى عادةً "حليب النّحل". ويكون قوامُ حليب النّحل هُلاميًّا لزجاً مُتلاصقاً ببعضِه، ولونه يميلُ إلى الأبيض. يتكوَّن غذاء الملكة بنسبة 50% تقريباً من الماء، وأمّا الباقي فهو خليطٌ من السُكريَّات والبُروتينات التي تُوفّر للملكة كميَّةً كبيرةً من الطّاقة والغذاء اللذَين يُساعدانها في مَهمّتها لوَضع 2,000 بيضةٍ من بيُوض النّحل في اليوم الواحد (ما يُعادل بيضة واحدةً كلَّ أربعين ثانية تقريباً)، كما يجعلها تعيشُ مُدَّة طويلة من الوقت تصلُ إلى سبع سنوات مُقارنةً بحياة النّحلات العاملة التي لا تتجاوزُ بضعة أسابيع. وفي الحقيقة، فإنَّ ملكات النَّحل لا تأكل سوى هذا الطَّعام، فهي لا تقتربُ أبداً من العسل العاديّ أو الرّحيق الذي تعتمدُ عليه النَّحلات العاملات، وفي المُقابل فإنَّ العاملات والجامعات لا يقتربنَ أبداً من غذاء الملكة.[٢] يُعتَقد أنَّ ثمّة أسباباً وراء الفصل الغذائيّ بين ملكة النَّحل وباقي العاملات؛ من ناحية جينيَّة، تُولد جميعُ النّحلات بما فيها العاملات والملكات بنفس تركيب الـDNA، وبالتّالي فهيَ تكونُ مُتطابقةً من حيثُ المظهر والوظيفة والقُدرات، إلا أنَّ الملكة لا تستطيعُ بناء جسمها الكبير وتطوير القُدرة على إنتاج البيْض إلا عندما تحصلُ على غذاءٍ غنيّ بالبروتين، والطريقة الوحيدةُ لذلك هي أن تأكلَ من حليب النّحل؛ لأنَّ نسبة البروتين في الرّحيق والعسل مُنخفضةٌ جداً، وبالتّالي، عندما تبدأ أيُّ نحلةٍ أنثى بتناول كميَّة كبيرة من البروتين، فإنَّ جيناتها ستتحفَّز لتغيير جسمها بحيثُ تُصبح ملكة.[٢] ما هي استخدامات غذاء ملكة النحل؟ يفصلُ النَّحل الغذاء الخاصّ به ما بيْن الملكة والعاملات إلى نوعين مُختلفين، ولذلك كان الانطباعُ الأوليّ لدى بعض المُسوّقين والمُنتجين، عندما بدؤوا بدراسة غذاء الملكة، أنَّه نوعٌ خاصٌّ وفريد من العسل، وبالتالي لا بُدَّ أن يكونَ أهمّ شأناً وأفضل صحيّاً، حيثُ يُعتَبر استخدام المُستحضَرات المصنوعة من غذاء ملكة النّحل رائجاً جدّاً في مُختلف أنحاء قارّة أوروبا، وغالباً ما تُبَاع على شكل مَساحيق أو طلاءٍ للبشرة والمفاصل.[٣] ثمَّة الكثيرُ من الشّائعات عن الفوائد الهائلة لغذاء الملكة أو "حليب النّحل"، والتي تجعلُه يُبَاع بأسعارٍ هائلة ويُنتَج بكميَّات عملاقة في شرق آسيا خُصوصاً، إلا أنَّ الكثيرُ ممّا يُقال عنه غير صحيح. بصُورة أساسيَّة، السَّبب في الأسعار المُرتفعة لهذا المُنتج هو الشّائعات التي تدورُ حوله، لكنَّ مُعظمها غير مُثبتةٍ علميًّا. يتم التّسويق لحليب النحل على أنَّه مُفيدٌ للبشرة والجسم، ويُطيل العمر، ويُعالج العديد من الأمراض، وكلُّ هذه المزاعم مبنيَّة على أنَّه يجعلُ ملكات النّحل تعيشُ فترةً أطول من النّحلات العاملة، إلا أنَّه من المُستبعَد جدّاً أن تؤثّر نفسُ خواصّ هذا الغذاء على البشر أيضاً بطريقتها على النّحل.[٢] لذلك، وعلى الرّغم من انتشار استخدام مُستحضَرات ملكة النّحل وغلاء أسعارها، إلا أنَّه من دليلٍ علميٍّ على فعاليَّتها، ومُعظم ما يُكتَب على مُنتجاتها هي مزاعم من الشّركات المُنتِجة لا تُؤيّدها أي نتائج تجريبيَّة.[٢] ومع ذلك، فيُمكن ابتياع هذا المُنتَج من العديد من الصيدليَّات، وهو يُستخدَم كمسحوقٍ كريميّ، خُصوصاً على الوجه والمَفاصل، ويَعتقدُ البعض أنَّه يُساعد على علاج الأمراض والتّجاعيد، وجعل البشرة أكثر نضارةً وصحَّة. الوصف الأحيائي للنّحل للنَّحلة ستّة أرجلٍ وأربعة أجنحة، وهي تمتاز بحاسَّة تذوُّق قويَّة جدّاً بين الحشرات والتي تجعلها تُميّز ما بين الطّعم الحلو أو المرّ أو الحامض أو المالح، وبحاسة شمّ تحصلُ عليها من قرنَي استشعارها الدَّقيقيْن، ولها لسانٌ خاصٌّ مُصمَّمٌ لامتصاص الماء ورحيق الأزهار والعسل إلى داخل الفم لمُساعدتها على أداء وظائفها، ولسانها هو عبارةٌ عن أنبوبٍ يخرجُ من الرّأس له القُدرة على الالتفاف في كلِّ الاتّجاهات، ويُحيط به فكٌّ تستفيدُ منه النّحلة للإمساك بقطع الشَّمع وحُبوب اللّقاح من الأزهار.[٤] وتشتَهر هذه الحشرة بقُدرتها على لسعِ أعدائها بلدغةٍ مُؤلمةٍ من إبرة في مُؤخّرة جسدها، وهذه الإبرة هي الوسيلة الدفاعيّة الوحيدة للنّحل ضدَّ أعدائه، والإبرة مُستقيمة الشّكل ومُغطّاة بالعديد من الأشواك، لذا عندما تلسعُ النّحلة هدفها فإنَّ الأشواك تنغرز بإحكامٍ داخل جسده، وبالتّالي، لا تستطيعُ النّحلة إخراج نفسها من جسد عدوّها إلا بأنْ تفصلَ إبرتها عن باقي جسمها، ممَّا يُؤدّي إلى موتها فوراً، أما الإبرة، فتستطيعُ بفضل عضلاتها الخاصّة - التي تظلُّ نشطةً - أن تنغرز عميقاً داخل الضحيَّة وتنثرَ داخلها السُّم. ولملكة النّحل إبرة لاسعةٌ تختلفُ عن إبر النّحلات العاملة، وهي لا تستعمُلها إلا لقتلِ الملكات الأُخريات، وليست للذّكور أيُّ إبرٍ للَّسع.[٤] صناعة العسل لدى النَّحل جيبٌ خاصٌّ في جسمه يُسمّى "معدة العسل" يستفيدُ منها لتخزين الرَّحيق الذي يجمعُهُ من الأزهار، وبهذه الطّريقة يستطيع النّحل العاملُ الاحتفاظ بكميَّاتٍ جيّدة من العسل قبل أن يحتاجَ للعودة إلى الخلية. عدا عن ذلك، لدى معدة العسل إفرازاتٌ خاصَّةٌ من الإنزيمات التي تُغيّر التّركيب الكيميائيّ للعسل بحيث يُصبح مُناسباً أكثر لتخزينه فترةً طويلةً. بعد أن تعودَ النّحلات الجامعةُ إلى الخليَّة تُمرِّر المخزون الذي جمعَتهُ من الرّحيق إلى العاملات، وذلك عبر نقله من فم واحدةٍ إلى الأخرى، ومن ثم تضعُهُ العاملة في مشطٍ شمعيّ، ويكونُ الرّحيق عندَ هذه المرحلة ذا قوامٍ سائلٍ خفيف، ولتحويله إلى عسل كثيف وشديد الحلاوة تقومُ النّحلات العاملةُ بتبخيره حتى تنخفضَ نسبة الماء فيه وتزداد نسبة السكريَّات، وتُضيف إليه إنزيماتٍ تُكسبه مذاقاً مُميَّزاً، وذلك بابتلاعه ثم إخراجه مرَّاتٍ عديدة مع إفراز لعابها وإنزيماتها الهاضمة عليه.[٥] وعندما تنتهي العاملةُ من صناعة العسل فهي تُغطّيه بسائلٍ تُفرزه من بطنها، ويتجمَّد هذا السّائل بعد بعضِ الوقت ليتحوَّل إلى مِشطٍ شمعيّ. وبعد أن ينتهي النّحل من صناعة عسله يكونُ جاهزاً لتخزينه فتراتٍ طويلة، فطالما انعزلَ عن الماء والهواء يكونُ قادراً على الصُّمود لفتراتٍ طويلة من الوقت. وعادةً ما تلجأ هذه الحشراتُ إلى مخزونها الاحتياطيّ من العسل عندما تُصبحُ بيئتها شحيحة الغذاء، مثلما يحدثُ خلال فصل الشتاء