تواضع النبي صلى الله عليه وسلم

لأن كلَ واحد منَّا مسَّ قلبَه نفحةٌ من عطر محبة رسول الله، فما أحوجنا جميعا لأن نتعرف عليه، ونتقرب من حضرته، ونتعرض لشمائله الكريمة، لنشرب معا من هذا البحر الأخلاقي الذي كلما شربنا منه ازددنا ظمئا لأنواره وأسراره وطمعا في محبته صلى الله عليه وسلم



******************************



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أيها الإخوة الكرام؛ دعونا نتدارس معاً نوعاً جديداً من ألوان السيرة النبويَّة؛ ألا وهي شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم.



******************************

اليوم نلتقي مع معنى من أعظم شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم وهو: عظيم تواضعه صلى الله عليه وسلَّم مع أصحابه، قال الله تعالى: {واخفض جناحك للمؤمنين}..



للمؤمنين عامةً، أيّ مؤمن، فأيّ إنسان مؤمن يعتقد ما تعتقد، يصلي ويصوم، يقيم أمر الله عزَّ وجل، ويصلي معك في اتجاه الكعبة، فالمؤمن الصادق المخلص لا يفرِّق بين جماعةٍ وأُخرى، كل من عرف الله وسار على منهجه على العين والرأس، أبداً من دون تفرقة، وليس من صالح المسلمين هذه التفرقة، ولا هذا التمايُز، ولا هذا التحزُّب الأعمى، ولا هذا الانحياز البغيض.



فقد كان عليه الصلاة والسلام المثل الأكمل في التواضع مع علو مقامه. وهناك شيء يلفت النظر.. "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ".. (صحيح مسلم)



لماذا الكبر؟ لأنه مهما كان قليلاً يفسد العمل؟ فالعبودية لله عزَّ وجل ماذا يفسدها؟ الكبر، الكبر يتناقض مع العبوديَّة، فلذلك من علامات المؤمنين التواضع، فكان عليه الصلاة والسلام المثل الأعلى في التواضع.



كيف كان متواضعاً؟ كان من تواضعه صلى الله عليه وسلَّم أن يخدم نفسه بنفسه، قالت عائشة رضي الله عنها: "كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ". (مسند أحمد)



أي إذا غسل الإنسان في بيته صحناً، رتّب غرفة، نقل حاجة من مكان إلى مكان، هذا لا ينتقص من قدره أبداً، هكذا كان عليه الصلاة والسلام.



أي إذا كانت الزوجة مريضة، وأنت هيَّأت طعام الفطور لأولادك، فهذا الشيء يرفع من قدرك عند الله عزَّ وجل، إذاً كان عليه الصلاة والسلام متواضعاً.



ومن تواضعه أنه كان يركب الحمار أحياناً، ولا يخصُّ نفسه بركوب الخيل، ففي زمان النبي عليه الصلاة والسلام كانت تعد الخيل مركبة فخمة، والأقل فخامة منها الحمار فكان عليه الصلاة والسلام يركب الحمار، ولا يخصُّ نفسه بركوب الخيل كما هي عادة الملوك والأمراء.



وروى أحمد عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطبَ فَقَالَ "إِنَّا وَاللَّهِ قَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَكَانَ يَعُودُ مَرْضَانَا وَيَتْبَعُ جَنَائِزَنَا وَيَغْزُو مَعَنَا وَيُوَاسِينَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَإِنَّ نَاسًا يُعْلِمُونِي بِهِ عَسَى أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُهُمْ رَآهُ قَطُّ".



وهناك قاعدة أساسيَّة: "لا تجالس من لا يرى لك من الفضل مثل ما ترى له"، أي إذا أعطاك إنسان جنبه فأنت أعطه ظهرك، فأنت مؤمن كريم عزيز النفس، أما الذي يعطيك وجهه فأعطه روحك، أوضح كلامي؟ الذي يعطيك وجهه أعطه روحك، والذي يعطيك جنبه أعطه ظهرك.." المتكبِّر على المتكبِّر صدقة".



الإيمان فيه عزَّة، الدين عظيم، والإنسان لا يخضع لغير مؤمن! المؤمن إذا خضعت له فهذا من كرامتك عند الله، لأن الله عزَّ وجل قال: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} (سورة المائدة).



وفي الصحيحين، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "كنت وراء النبي صلى الله عليه وسلَّم على الدابة ليس بيني وبينه إلا مؤخِّرة الرحل. فقال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك".



هذه ملاحظة مهمة جداً: أنت تجلس مع الكبراء، تؤخذ ببيوتهم، بمكاتبهم، بمركباتهم، لكن أن تجلس مع إنسان متواضع وتراه أنه أعظم الخلق، فهذا هو النظر الحكيم.

ومن تواضعه صلى الله عليه وسالَّم مشيته مع الأرملة، والمسكين، والأمة.



روى مسلم وغيره عَنْ أَنَسٍ "أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَقَالَ يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا".



مع أنه في عقلها شيء، أحياناً يكون واحد محدود، مختل، يأتي يسلِّم عليك، يصافحك، يعانقك، طوِّل بالك عليه، كيف لو كنت مكانه؟



وروى البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ (الطفلة الصغيرة) مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ".



مرَّة أتى عدي بن حاتم المدينة ليلقى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يتوقَّع أن النبي ملك وليس نبياً، فلما رحَّب به النبي، أخذه إلى بيته، يقول عدي بن حاتم: "في الطريق استوقفته امرأةٌ فوقف معها طويلاً تكلِّمه في حاجتها، قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، إنه نبي".



ومن تواضعه صلى الله عليه وسلَّم تكريمه لعباد الله المسلمين. فقد روى الإمام أحمد وغيره من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما في حجة النبي، أن النبي صلى الله عليه وسلَّم أتى السقاية أي أتى أناس يعملون في السقاية، سقاية الحجاج فقال: "أنا عطش اسقوني" فقالوا: "إن هذا يخوضه الناس، ولكن نأتيك به في البيت"، قال: "لا حاجة لي فيه اسقوني مما يشرب منه المسلمون".



أحياناً يخصّ الإنسان بشراب خاص، بإناء خاص، بكأس خاص، بشيء مختوم، شيء فخم، قال لهم: "اسقوني مما يشرب منه الناس".



النبي عليه الصلاة والسلام طلب من سيدنا عمر أن يدعو له، هذا من تواضعه. حين استأذن سيدنا عمر النبي في العمرة، فقال له صلى الله عليه وسلم: "لا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ".. (من سنن أبي داود: عن "عمر").



وكان رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَبْغِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ".



البغي: العدوان، أي لا عدوان مادي، ولا عدوان معنوي، العدوان المعنوي الكِبْر، والمادي أن تأخذ ماله، أو أن تسلبه شيئاً من حاجاته..



هكذا كان تواضع النبي صلى الله عليه وسلم رغم عظمته عند ربه ولكنه اختار أن يكون نبيا عبدا لا نبيا ملكا، صلى الله عليه وسلم.




المقالات ذات صله