تأميم الإنترنت.. صراع أمريكي أممي يستمر

نعم نشأت الإنترنت ونمت "أمريكية خالصة الهوية"، لكنها ما لبثت أن شبت عن الطوق، ولم تعد كذلك، وبينما تصارع الأمم المتحدة طواحين الهواء لتخليص "النت" من ربقة القيد الأمريكي بتدويلها وبسط سيطرة عادلة عليها لكافة الأمم بدلا من سيطرة أمريكا المنفردة الأحادية، قطعت عليها الولايات المتحدة الأمريكية الطريق مؤكدة بقاء الشبكة الدولية تحت سيطرتها؛ لتضمن صيرورتها للأبد "أمريكية الهوى".

إذن هناك صراع، الجزء الطافي منه فوق السطح يبرز أن طرفي الصراع الولايات المتحدة والأمم المتحدة، ولكن بالغوص قليلا تحت السطح يتضح أن أطرافا أخرى تشارك في الصراع بدرجة أو بأخرى، أو بطريقة وغيرها، وبينما تنحاز أطراف بمقتضى الحال والمآل لموقف الولايات المتحدة تتبنى أطراف أخرى مسعى الأمم المتحدة بطبيعة المصلحة.

دعونا نكن أكثر وضوحا؛ فالأمم المتحدة تسعى لاستخلاص شبكة الإنترنت من بين فكي الولايات المتحدة الأمريكية، في سبيل إقامة "إدارة أممية" تقوم على شئون الشبكة، أو على الأقل إبقاء الأمور على ما هي عليه مع تقليص دور الولايات المتحدة، بشرط ضمان منح الدول الفقيرة دورا أكبر في الطريقة والأسلوب الذي تدار به الشبكة الدولية، يمكن من خلاله الاستفادة من إمكاناتها في مجالات التنمية، وإقالة الدول الأفقر من عثراتها الثلاث الأزلية المتمثلة في: الفقر والجهل والمرض.

بدهي أن تكون الدول الفقيرة والنامية هي الطرف المؤيد للأمم المتحدة، ومن المنطق أن يقف قسم من الدول الصناعية أو الغنية مع الولايات المتحدة، مبدين ارتياحهم للوضع الحالي المتمثل في سيطرة وإشراف مؤسسة أمريكية بتخويل من الإدارة الأمريكية يطلق عليها اختصارا "إيكان" أو ICANN على الإنترنت، ويسلك مسلكهم بالطبع كل المؤسسات والشركات التي تحلب الإنترنت وتدر عليها الشبكة الدولية أرباحا طائلة، وتنتابها هواجس أن تتحول الإنترنت عن أحد أهم سماتها ألا وهو ربحيتها البالغة.

ونظن أن مسألة أطراف الصراع اتضحت معالمها، ويبرز من بينها كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة الذي طالما ضغط واستخدم هامش الحرية المتاح له في الضغط لتدويل الإنترنت، ولكن محاولاته باءت كلها حتى الآن بالفشل، وخاب له ولأممه المتحدة كل مسعى.

مونولوج لا ديالوج

ورغم الرفض الأمريكي فإن تقريرا أعده الفريق الأممي الذي يبحث في الوسائل الممكنة التي يمكن بها إنشاء إنترنت أممية، ونشرت النسخة العربية المعدلة منه في 21 يوليو 2005.. سوف يتم رفعه إلى قمة المعلومات المقرر عقدها في نوفمبر 2005 في تونس لمناقشة الخطوط العريضة للوصول للهدف المنشود السابق الإشارة إليه.

وكانت المجموعة العاملة على إدارة الإنترنت -أو بتعبير الأمم المتحدة ذاتها "الفريق العامل المعني بإدارة الإنترنت "Working Group on Internet Governance (WGIG)"- قد شرع عقب فشل قمة المعلومات التابعة للأمم المتحدة التي انعقدت بجنيف 2003 في الاتفاق على الصيغة التي يمكن أن تدار بها الإنترنت.

ويفسر ذلك الفشل أن العديد من وفود القمة كانوا سعداء وأكثر رضا بالوضع الحالي المتمثل في إشراف "إيكان" على الإنترنت؛ الأمر الذي لقي امتعاضا ورفضا من العديد من الدول النامية من هيمنة إيكان الأمريكية على الإنترنت.

محاولات الأمم المتحدة تشبه في ذلك ما يسمى "المونولوج"؛ حيث تتحاور مجموعات، وتجتمع مجالس، وتنفض لجان أممية مع بعضها البعض حول السبل التي يمكن بها الوصول لذلك الهدف المنشود، وأمريكا في صمم عن ذلك كله؛ فالأمم المتحدة -بصرف النظر عن رفض الولايات المتحدة الأمريكية لتدويل أو قل تأميم الإنترنت- لم تنشئ "ديالوج" مع أمريكا لبحث سبل إنشاء إدارة دولية أو أممية للإنترنت.

المهم أن هناك مقترحات أو سيناريوهات أربع طرحها الفريق العامل المعني بإدارة الإنترنت "Working Group on Internet Governance (WGIG)"، ولن تخرج هذه الخيارات المطروحة عن التالي:

الخيار الأول: إنشاء كيان يعرف باسم "مجلس الإنترنت العالمي"، يتكون أعضاؤه من الحكومات، يختص بالإشراف عليها بدلا من هيئة إيكان الأمريكية المختصة بالإشراف على نظام التسمية والعنونة الخاص بالإنترنت.

الخيار الثاني: عدم إجراء أي تعديلات سوى تقوية دور اللجنة الحكومية الاستشارية لهيئة إيكان؛ بحيث تصبح منتدى رسميا حكوميا يخول ويختص هو بالنقاش والبت في قضايا الإنترنت.

الخيار الثالث: خفض اختصاصات هيئة إيكان الأمريكية، وقصرها على الجانب التقني، مع إنشاء مجلس الإنترنت العالمي؛ بحيث يكون غير تابع للأمم المتحدة، وتفقد بمقتضى ذلك الخيار الولايات المتحدة هيئة إيكان.

الخيار الرابع: إنشاء ثلاثة كيانات: الأول ينتزع اختصاص إيكان فيما يخص نظم العنونة، والثاني يكون بمثابة غرفة تدور فيها النقاشات حول الإنترنت، يشارك فيه حكومات ومؤسسات ربحية، ومنظمات ممثلة لعموم الناس، والثالث يقوم بدور المنسق والعمل حول "القضايا ذات العلاقة بالسياسات العامة".

الأمم المتحدة وأمريكا.. وشد الحبل

والأهم أنه قبل صدور التقرير استبقته الإدارة الأمريكية بتصريح مقتضب لموظف صغير، أكد فيه عزم الولايات المتحدة على الاحتفاظ بدورها المشرف على كيفية عمل الإنترنت، معللة ذلك بأن قرارها جاء استجابة لتهديدات أمنية متزايدة، ولأهمية الإنترنت في مجال التجارة والأعمال.

وجاء في بيان حكومي أمريكي صدر الإثنين 14-7-2005 في هذا الصدد أيضا أنه لما للإنترنت من أهمية للاقتصاد العالمي فقد أصبح من الضروري أن "تبقى مستقرة ومأمونة".

ومن الأهمية بمكان أيضا الإشارة إلى أن هناك فصولا وجولات تمت على مدار سنين عديدة في لعبة شد الحبل هذه بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة في مسألة استخلاص الإنترنت، ربما نفرد لها موضوعا قائما بذاته؛ فليس ما ذكر في هذا الشأن بالمغني ولا المحيط، لكنه ليس في وسعنا إغفال الكثير مما مارسه كوفي عنان أمين عام الأمم المتحدة من ضغوط على المؤسسات الربحية والحكومات والشركات ذات الاهتمام للتأكيد على حق الأمم الفقيرة في وصول أوسع للإنترنت، لكنه كان يقاتل في جبهات عدة لصالح الأمم الفقيرة، وهذه الجبهات كان جل غايتها إبقاء الوضع الحالي على ما هو عليه.

هنا يأتي السؤال المهم: هل تؤمم الأمم المتحدة الإنترنت؟ يأتي الجواب: لا أظن، والسبب في ذلك يحتاج لبعض الاستشهاد.

ففي دنيا الأسلحة والتسلح نادرا ما تقوم دولة مصنعة للسلاح بتصدير آخر ما وصلت إليه تكنولوجيا صناعة الأسلحة لديها؛ بل إنها تحتفظ بمساحة فاصلة بينها وبين أي دولة تصدر إليها السلاح، تتمثل في إيجاد هوة عبارة عن جيل من الأسلحة؛ بمعنى أن روسيا مثلا لا تصدر آخر طراز من طرز طائرة مقاتلة ما، ولا الطراز الذي يسبقه، وإنما تصدر الطراز الذي يسبق الذي يسبقه.

لذلك فإن أمريكا التي تنادي بالعولمة بينما هي في الواقع تمارس الأمركة، وتحصد في ذلك من المكاسب، وتجني من المنافع ما لا يحصى، ولها في ذلك أسلحة كثيرة، ومن أنجح أسلحتها في ذلك وأمضاها الإنترنت.. هل يعقل أن تتخلى أمريكا عن سلاح هام ومؤثر وفعال مثل الإنترنت يفتح لها الأسواق، ويلغي أمامها الحدود والسدود، وتمارس من خلاله تبديل أنظمة وتنصيب حكومات، إلى آخر قائمة الممارسات العولمية (أقصد التأمركية)؟ أعتقد أن الإجابة واضحة.

لقد باءت بالفشل محاولات المجموعة الأممية المعنية بوضع سبل تحقيق مبتغاها؛ بل انقسمت على نفسها فيما بينها، وطرحت أربعة سيناريوهات سبق عرض مفادها، ولا يبدو أن أيا منها سوف ترضى عنه الولايات المتحدة الأمريكية؛ بل إن هناك تعنتا أمريكيا رافضا لكافة أطروحات الأمم المتحدة، مؤكدة عزمها الإبقاء على دورها الرئيسي في الإشراف على كيفية تسيير وإدارة شبكة الإنترنت.

إذن.. فالمتوقع في هذا الصدد أن الولايات المتحدة سوف تكتفي بإجهاض كل المساعي عن طريق بعض التصريحات لصغار الموظفين الأمريكيين، وتمضي الأمم المتحدة في محاولاتها إلى أن يتسرب إليها اليأس من الوصول لهدفها، وتنتهي المسألة بنوع من الموت البطيء، وتختفي أصداؤها في وسائل الإعلام، وينساها الناس؛ فلا إنترنت أممية.. ولا يحزنون!.


بحث مفصل



المقالات ذات صله