الجزاء من جنس العمل

الجزاء من جنس العمل

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

( من نفَّسَ عن مؤمنٍ كُربةً من كُرَبِ الدنيا ، نفَّسَ اللهُ عنه كُربةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ . ومن يسّرَ على معسرٍ ، يسّرَ اللهُ عليه في الدنيا والآخرةِ . ومن سترَ مسلمًا ، ستره اللهُ في الدنيا والآخرةِ . واللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه . ومن سلكَ طريقًا يلتمسُ فيه علمًا ، سهَّل اللهُ له به طريقًا إلى الجنةِ . وما اجتمعَ قومٌ في بيتِ من بيوتِ اللهِ ، يتلون كتابَ اللهِ ، ويتدارسونه بينهم ، إلا نزلتْ عليهم السكينةُ ، وغشيتْهم الرحمةُ وحفّتهم الملائكةُ ، وذكرَهم اللهُ فيمن عنده . ومن بطّأ به عملُه ، لم يسرعْ به نسبُه ).

الراوي: أبو هريرة المحدث:مسلم - المصدر:صحيح مسلم - الرقم: 2699

المصدر

********************

التعـريـف بالـراوي:

اسمه ونسبه:هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي.

كنيته: يقول أبو هريرة في سر كنيته: كنت أرعى غنم أهلي، وكانت لي هريرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجر

فإذا كان النهار ذهبت بها معي، فلعبت بها فكنوني "أبا هريرة" .

من صفاته واخباره:أسلم في السنة السابعه من الهجرة وكان اكثر الصحابة رواية للحديث لملازمته رسول الله صلى الله عليه وسلم

ولدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالحفظ , كان من اصحاب الصفة وكان اذا اراد ان يخرج من بيته يقف على باب امه فيسلم

عليها ,ويقول:رحمك الله كما ربيتني صغيراً.فترد عليه السلام فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيراً .

روى عنه اكثر من ( 800 ) صحابي وتابعي. وروى عنه أصحاب الكتب الستة ومالك بن أنس في موطأه، وأحمد بن أحنبل في مسنده.

وفاته: توفي سنه ( 57 هـ ) رضي الله عنه وأرضاه عن عمر 78 عاماً ودفن في البقيع.

المصدر

********************

شــرح الحـديـث

إن الخير في نظر الإسلام هو الغاية في هذه الحياة وهو المقصد الأعظم لجميع العبادات التى شرعها الله للناس جميعا

وهو شعار هذه الأمة وطريق فلاحها {وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} ( الحج: 77) .

فها هو صلى الله عليه وسلم يأخذ بأيدينا إلي مجالات الخير ويرشدنا إلي أبوابه المتعددة في الحياة ، وفي هذا الحديث يعرفنا الرسول صلى الله عليه وسلم على أعظم أصل من أصول المدينة الفاضلة وأقوم مبدأ من مبادئ الإصلاح الإنساني ألا وهو مبدأ التراحم والتكافل الاجتماعي بين الناس جميعا فالرحمة الإسلامية رحمة عامة تبسط جناحها علي الكون كله المسلم وغير المسلم , الانسان والحيوان , البار والفاجر .

لقد حثّنا النبي صلى الله عليه وسلّم في أوّل وصيّته على تنفيس الكرب عن المؤمنين مبينا أن الجزاء من جنس العمل والكربه هي الشِّدة العظيمة التي توقع صاحبها في الكرب وتنفيسها أن يخفف عنه منها والتفريج أعظم من ذلك وهو أن تُزال عنه الكربه فيزول همها وغمها ، فجزاء التنفيس التنفيس وجزاء التفريج التفريج وخص المؤمن هنا بالذكر لمزيد شرفه وحرمته. وقوله صلى الله عليه وسلّم كربة من كرب يوم القيامة ذلك لأن كرب الدنيا بالنسبة لكرب الآخرة لاشيء .

ومن كريم الأخلاق التجاوز عن المدين المعسر والمعسر هو من ضاقت ذات يده ولم يجد لديه ما يكفيه من سد حاجته وهو ما عليه من دَين وتعسر عليه أداؤه ، فقد حث الشرع أصحاب الحقوق على تأخير الأجل للمعسرين وإمهالهم إلى حين تيسّر أحوالهم يقول الله عز وجل : { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } ( البقرة : 280 ) ، وأعلى من ذلك أن يُسقط صاحب الحق شيئا من حقه ، ويتجاوز عن بعض دينه ويشهد لذلك ما رواه البخاري و مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

( كان رجل يداين الناس ، فكان يقول لفتاه : إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه ؛ لعل الله أن يتجاوز عنا ، فلقي الله فتجاوز عنه ) .

ثم يحث الحديث على ستر عيوب المسلمين ،وعدم تتبع أخطائهم وزلاتهم ، إن ستر العيوب فضيلة و إن المتصف بها يتخلق بأخلاق الله عز وجل وإن كشف العيوب وتتبع العورات رذيلة ممقوتة وهي من أخلاق المنافقين ، فالمعصوم من عصمه الله ، والمسلم مهما بلغ من التقى والإيمان فإنه ليس معصوما عن الخطأ ، فقد يصيب شيئاً من الذنوب وهو مع ذلك كاره لتفريطه في جنب الله ، كاره أن يطلع الناس على خطأه وتقصيره

فإذا رأى المسلم من أخيه هفوة فعليه أن يستره ولا يفضحه ، دون إهمال لواجب النصح والتذكير، وقد جاء في السنة ما يوضّح فضل هذا الستر فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة )

رواه ابن ماجة ، في حين أن تتبع الزلات مما يأنف منه الطبع ، وينهى عنه الشرع ، بل جاء في حقه وعيد شديد ، روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال : ( يا معشر من قد أسلم بلسانه ، ولم يفض الإيمان إلى قلبه ، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ، ولا تتبعوا عوراتهم ، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله ) .

هناك طريق إلى الملهى إلى النار، طريق إلى القمار إلى النار، طريق إلى الزنى إلى النار، طريق إلى المسجد إلى الجنة.

لذلك العبرة في الخاتمة، ولما كان للعلم منزلة عظيمة ، ومكانة رفيعة ؛ جاء الحديث ليؤكد على فضله وعلو شأنه ، فهو سبيل الله الذي ينتهي بصاحبه إلى الجنة ، والمشتغلون به إنما هم مصابيح تنير للأمة طريقها ، وهم ورثة الأنبياء والمرسلين ، لذلك شرّفهم الله تعالى بالمنزلة الرفيعة والمكانة عالية ، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ، وإنه ليستغفر للعالم من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ) رواه أحمد ، فهم أهل الذكر ، وهم أهل الخشية ، وشتان بين العالم والجاهل . وأولى ما يصرف العبد فيه وقته : تعلم القرآن ونشر علومه ، كما جاء في الحديث الصحيح ( خيركم من تعلّم القرآن وعلمه )

ثم لك أن تتأمل ما رتبه الله من الأجر والثواب لأولئك الذين اجتمعوا في بيت من بيوت الله تعالى ، يتلون آياته ، وينهلون من معانيه ، لقد بشّرهم بأمور أربعة : أن تتنزّل عليهم السكينة، وتعمهم الرحمة الإلهية ، وتحيط بهم الملائكة الكرام ، وأن يذكرهم الله تعالى في ملأ خير من ملئهم ويجعلهم محل الثناء بين ملائكته ، ولو لم يكن من فضائل الذكر سوى هذه لكفت .

على أن تلك البشارات العظيمة لا تُنال إلا بجدّ المرء واجتهاده ، لا بشخصه ومكانته ، فلا ينبغي لأحد أن يتّكل على شرفه ونسبه ؛ فإنّ ميزان التفاضل عند الله تعالى هو العمل الصالح ، فلا اعتبار لمكانة الشخص إن كان مقصّرا في العمل ، ولذا يقول الله عزوجل في كتابه :

{ فإذا نُفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } ( المؤمنون : 101 ) ، وهذا رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم يُغنِ عن أبي طالب شيئا ، ولقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في كلمات جامعة حين قال : ( ومن بطّأ به عمله ، لم يسرع به نسبه ) .


بحث مفصل



المقالات ذات صله