يحكى أنه كان للخصوصية بعالمنا مكان

بمجرد أن تتخطى البوابة تتطاير معلومات عن كل ما يخصك إلى أماكن لم ولن تخطر لك على بال، أسعار ملابسك وماركتها، مقاس حذائك ومتى اشتريته، تحويلاتك البنكية وكل تعاملاتك المالية، رقم هاتفك ومع من تكلمت، أين تذهب كل يوم، أين تقضي إجازاتك، ماذا تأكل وماذا تشرب حتى ميعاد المهدئ الذي أخذته لتزيل أثر شجارك مع زوجتك.. وللعلم فليس هذا بمركز الاستخبارات الأمريكية، ولا أنت بصدد القيام بعملية إرهابية مرصودة. أنت فقط دخلت للسوبر ماركت لتشتري زجاجة مياه غازية.

والآن.. فإذا كنت تفكر في الهرب واللجوء إلى بيتك، نحِّ الفكرة جانبًا، فكل شيء ينقل معلومات أكثر وأكثر عنك، فحتى سريرك وثلاجتك يتجسسان عليك.

هذا ملخص بسيط للحال الذي سنصل له بعدما أعلنت الصحف الأمريكية في مايو 2005 بدء استخدام الـRFID في كثير من المحلات والمقاهي بولاية سياتل الأمريكية. والـRFID اختصار لـ"Radio Frequency Identification"، أي ترددات الراديو المحددة للهوية، وهي رقائق/ شرائح إلكترونية لا يزيد سمكها عن سمك ذرة الرمل، يمكن حقنها تحت الجلد أو تثبيتها على أي جسم وتحميلها ببعض المعلومات عن هذا الجسم ومن ثم يمكن تتبعه.

فهذه الشريحة لها هوائي يلتقط عن بُعد الموجات الكهرومغناطيسية المنبعثة من أجهزة المسح/ القراءة الخاصة بها، مما يمكن مستخدم جهاز المسح من قراءة المعلومات المخزنة عليها.

وتحلم الشركات الكبرى باستبدال هذه الشرائح بالباركود، وفي السابق قامت الكثير من تلك الشركات باستخدامها لكن بشكل سري حتى لا تثير تحفظ الهيئات المهتمة بحماية حقوق الخصوصية. إلا أن هذه الشركات انكشف استخدامها للـRFID عندما قامت بعض الجمعيات وبعض الناشطين بعمل اختبارات سرية لهذه الشركات.

ومن أكثر الجمعيات المهتمة بهذا الموضوع هي جمعيةCASPIAN "Consumers Against Supermarket Privacy Invasion and Numbering" أو مستهلكون ضد ترقيم واختراق الخصوصية، وبالفعل فقد قامت بعدة اختبارات لأكبر سلاسل المتاجر في العالم أمثال تيسكو ووال-مارت وأثبتت استخدامهم لها.

أنت تفعل ونحن نجيب





يبرر أصحاب الفكرة دفاعهم عنها بأن استخدام الـRFID في المحال يتيح أن يكون لكل وحدة من المنتج رقمها الخاص الذي تعرف به، وبالتالي ربط القطعة المشتراة بشاريها نفسه، ومن ثَم يبدأ عهد جديد من التسويق الشخصي.

ولتقريب الصورة إلى الأذهان، فالمشاهد للفيلم الأمريكي "تقرير الأقلية" للممثل توم كروز يعي ما نقصد، ففي مشهد من الفيلم يدخل توم كروز المركز التجاري فتبدأ حملة إعلانية موجهة إليه هو فقط تخبره بالعروض التي تهمه اعتمادًا على تاريخه الشرائي المسجل لديهم.

دعنا نتوقف هنا قليلاً لنتخيل سيناريو آخر، فبمجرد دخولك أي مركز تجاري سوف يقرأ ماسح/ مستقبل الـRFID المعلومات التي تحملها كل الشرائح الموجودة في ملابسك، ثم يربطها بقاعدة البيانات الموجودة بالمركز ليتعرف على تاريخك الشرائي بالكامل، والمتضمن اهتماماتك وتفصيلاتك، فتدخل في خطة تسويق محكمة مفصلة يصعب مقاومتها، تلعب على حسك الإدراكي بأساليب التسويق المعتادة، وحسك اللاإدراكي بالتسويق العصبي.

والتماسًا للحياد.. فللتكنيك الجديد جانب مفيد، فهو يساعد هذه المحال على تلبية احتياجاتك بشكل يسير وسريع. ولكن ماذا سيحدث لو وجدت عند وقوفك أمام أرفف للمنتجات أن الأسعار تختلف عما كانت عليه عند وقوف عميل آخر؛ لأن بتحليل التاريخ الشرائي للعميل الآخر اتضح أنه دائمًا ما يضعف أمام تخفيض 50% ويشتري المنتج بغض النظر عن مدى احتياجه له؛ لذا تغير له السعر ليأخذه بالتخفيض، أما أنت فبتحليل تاريخك الشرائي وجد أنك دائمًا ما تشتري هذا المنتج لأهميته لك بغض النظر عن سعره فيضاعف الثمن لك!. أو أنك معتاد على شراء ماركة معينة فتحيطك الماركة المنافسة بعروض مغرية لتتحول عنها.

الائتمان وغياب الأمان

تساؤل آخر يطرح نفسه.. وهو هل هذه الشركات تصلح أصلاً لائتمانها على بياناتنا الشخصية؟ وإلى أي مدى سوف يتم استغلال قواعد بيانات العملاء؟ حيث يتوقع أن يتم دمج قواعد بيانات مختلف الشركات والمؤسسات وبهذا تصنع قواعد بيانات هائلة بها تفاصيل مخيفة عن كل فرد.

يوجد الآن الكثير من الشركات المتخصصة في تجميع وبيع قواعد بيانات لشركات أو أفراد آخرين، وهذه الشركات لا تهتم بحماية عملائها بالرغم من التطور المستمر لمخترقي الشبكات (الهاكرز)، ومحاولاتهم الدائمة للحصول على هذه البيانات للقيام بمختلف عمليات النصب. أو كما يصفها خبير حقوق الخصوصية ومؤسس الشركة الاستشارية Privacy Clue أنها تأخذ المعلومات من عملائها بوعود قاطعة على حمايتها وبمجرد الحصول عليها تدفع بها من الباب الخلفي إلى من يدفع أكثر!

مثالاً على ذلك واقعة سرقة قواعد البيانات من شركة تجميع البيانات ChoicePoint، فقد قام مجرمون بسرقة بيانات أكثر من 145000 شخص والتي احتوت على أسماء العملاء، عناوينهم، أرقامهم القومية وتقاريرهم الإيمانية. وحسب كلام المتحدث الرسمي باسم الشركة تشاك جونز أن كثيرًا ما يستهدف المجرمون الشركة!.

لكن ضربت الولايات المتحدة تحذيرات المؤسسات المهتمة بحماية الخصوصية عرض الحائط، وأقرت البدء في أكتوبر 2006 في وضع شرائح RFID بسعة 64 كيلوبايت في جوازات السفر، متجاهلة كل الأخطار التي يمكن أن تنجم عن هذه الخطوة. وستحتوي هذه الشرائح على كل البيانات الموجودة بجواز السفر.

واتبع هذا القرار تصريح دول أخرى مثل ألمانيا وبريطانيا باتخاذ نفس الإجراء غير عابئين بخطورة وبراعة الهاكرز وشغفهم للحصول على البيانات التي توصلهم إلى مأربهم، وجاءت نتيجة أول محاولات إثبات عدم صعوبة هذا الأمر بالإيجاب التام، حيث قام الاستشاري الألماني ليوكاس جرنوالد بعمل برنامج (soft ware) مجاني أطلق عليه اسم RFDump، يقرأ محتويات شرائح الـRFID ويستطيع قصها وطبعها، والأخطر من ذلك كله أنه يستطيع تغييرها وتعديلها.

فهل تتخيل أن تفاجأ مثلاً وأنت في المطار أن هويتك ضاعت للأبد؛ لأن جواز سفرك يحمل بيانات شخص آخر، والأدهى أن تجد نفسك مدانا بسلسلة من التهم؛ لأن البيانات كانت لأحد المجرمين، فالذي بدّل البيانات كان مجرمًا أراد التخلص من التهم التي ارتكبها.

وصول المنكِر

ووسط رفض واستنكار أولياء الأمور وصلت هذه التكنولوجيا إلى المدارس، ولم تقتصر على مدارس الولايات المتحدة فقط التي كانت أولها مدرسة بريتاني الابتدائية بكاليفورنيا، وامتدت حتى أوزاكا باليابان، وانتشرت أيضًا بالملاهي والمتنزهات.

وهنا يجب ألا نغفل الجوانب الإيجابية لاستخدام الـRFID وهي تعقب الأطفال وإمكانية تحديد أماكنهم، مما يحميهم من خطر الاختطاف أو أن يُفقدوا. إضافة إلى استخدامها كسجل طبي يحتوي على معلومات مثل فصيلة دم الشخص، والمواد التي تصيبه بالحساسية وتاريخه المرضي، الأمر الذي يسهل عملية إنقاذ ضحايا الحوادث وأصحاب الأمراض المزمنة وبشكل خاص المزمن منها كالسكري الذي يتطلب اللجوء للمستشفى بشكل مفاجئ.

لذا ينادي البعض بحقن ذوي الاحتياجات الخاصة، والمسنين وأصحاب الأمراض المزمنة، على الرغم من أن ذلك من الممكن أن يثير قلق البعض ممن يرى في الأمر تفرقة عنصرية بينهم وبين الآخرين.

ولاستخدام الـRFID حسنة أخرى فيمكن أن يمنع حدوث الخلط بين المرضى في المستشفيات والذي يتسبب في إجراء عمليات لغير المرضى الذين يحتاجونها. هذا ما حفز العديد من المستشفيات على البدء باستخدامه مثل مستشفى بيرمينجهام هارتلاند بالمملكة المتحدة ومستشفى لانكستر العام ببنسيلفانيا بالولايات المتحدة.

ومع استشراء استخدام شرائح الـRFID إما بلصقها على الأشياء أو بحقنها تحت الجلد أينما تواجدنا سيجعلنا نعيش في حقل كثيف من الموجات الكهرومغناطيسية، مما سيكون له تأثير سلبي على الصحة، خاصة عندما تكون داخل الجسم.

فقد نشرت وكالة الأنباء رويترز أن هناك بحثًا قامت به اثنتا عشرة مجموعة من الباحثين بسبع دول من الاتحاد الأوروبي على مدار أربع سنوات، درسوا به تأثير هذه الموجات على الخلايا البشرية والحيوانية بالمعمل، ووجدت أنها تؤذي خلايا الجسم وتدمر الـDNA. ولكن موافقة الـFDA على حقن شرائح الـRFID تحت الجلد تُعَدّ نقطة انطلاقة لها تزيد انتشارها. والمخيف هو أن تصبح تقليعة العصر التي يتهافت عليها الشباب فهناك بعض النوادي الليلية في أوروبا تحقن روادها الدائمين بشرائح الـRFID لتميزهم وتسهل خدمتهم.

نحن لا نريد أن نثير نظرية المؤامرة، ولكننا نساعد في أن ينقشع الغمام عن سلبيات هذه التكنولوجيا التي تتوارى في خضم "بروباجندة" الترويج لها، فنوازن بينها وبين إيجابيتها لنبني قراراتنا على حقائق واضحة، ولنتصرف بشكل أكثر عقلانية ومنطقية.

اقرأ أيضا:

القبض على "المنفرد" باختراق الدفاع الأمريكي

كيف تحمي جهازك من الهاكرز؟

"إكسبلورر" جديد لمكافحة الاختراقات

"الديمقراطية الرقمية".. انتخابات بنكهة العولمة




المقالات ذات صله